خضير جعفر
240
الشيخ الطوسي مفسرا
اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية ، فقال جابر بن عبد اللّه وسعيد بن المسيّب وقتادة وابن جريح : إنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله لمّا بلغه موت النجاشي دعا له واستغفر له وصلّى عليه ، وقال للمؤمنين صلّوا عليه فقالوا : نصلّي على رجل ليس بمسلم ؟ وقال قوم منافقون : نصلّي على علج بنجران ؟ فنزلت هذه الآية وكانت الصفات التي فيها صفات النجاشي . وقال ابن زيد وفي رواية عن ابن جريج وابن إسحاق أنّها نزلت في جماعة من اليهود وكانوا أسلموا ، منهم عبد اللّه بن سلام ومن معه . وقال مجاهد : إنّها نزلت في كلّ من أسلم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى وهو أولى لأنّه عموم الآية ، ولا دليل يقطع به على ما قالوه على أنّها لو نزلت في النجاشي أو من ذكر لم يمنع ذلك من حملها على عمومها في كلّ من أسلم من أهل الكتاب لأنّ الآية قد تنزل على سبب وتكون عامّة في كلّ من تتناوله « 1 » . وهنا يتّضح لنا انسجام الشيخ الطوسي في الموقف مع القاعدة الأصوليّة المعروفة ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) لذلك نراه يميل إلى أنّ المراد من الآية أعلاه هو عموم اللفظ ، لأنّ ما ورد من شأن النزول لا يوجب قصد الحكم على الواقعة فالمورد عنده لا يخصّ الوارد ، لأنّ البيان عامّ والتعليل مطلق إذ المدح النازل في حقّ أفراد من المؤمنين ، أو الذمّ النازل في حقّ أفراد آخرين معلّل بوجود صفات فيهم ، لا يمكن قصرها على شخص مورد النزول ، مع وجود عين تلك الصفات في قوم آخرين . والطوسي بهذا يتّفق مع جملة من العلماء والمفسّرين في هذا المجال فقد ذهب ابن تيميّة إلى القول بأنّ الناس وإن تنازعوا في اللفظ العامّ الوارد على سبب هل يختص بسببه ؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين : إنّ عمومات الكتاب والسنّة تختصّ بالشخص المعني وأمّا غاية ما يقال : إنّها تختصّ بنوع ذلك الشخص فتعمّ ما يشبهه « 2 » والذي عليه الشيخ الطوسي في العمل بقاعدة ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ) يسمّى الجري وهو
--> ( 1 ) . الطوسي ، التبيان ، ج 3 ، ص 93 . ( 2 ) ابن تيميّة ، مقدمة في أصول التفسير ، ص 47 .